السبت، 24 أغسطس، 2013

الكتاب الأول 1 من 3 (بدون هوامش)

  الكتاب الأول
           نعمت غاندي

كنت صغيرا فلم تكن تملك من المعرفة ما تميز به الحق من الباطل
فكنت تأخذ دون تمحيص
فلما كبرت لم يعد يصلح أن تستعين بهذا الخليط لتحكم به.
وإذا بدأت التعلم كبيرا لتميز هذا عن ذاك فبم تحكم ولا علم لك؟
يا "متقاعس" عن قراءة آلاف الكتب لتكون "متعلما" [1]
إليك "صنارة" تصيد بها النافع لك فلا تضيع وقتك كحاطب الليل تجمع الجيد والرديء فتملأ حافظتك ،وتجمع الحق والباطل فتتيه.
ليس اللوم على المتلقي وحده بل على طريق وأنظمة التلقي لوم أكبر .
أخرج من خضم أرث ثقافي مختلط لترى الصورة أوضح. 

فكرة الكتاب
نشأت وكبرت وأنت تتلقى معلومات وعلوما وأخبار دون تمييز ولا تراعي معيارا لرفض بعضها أو قبول الآخر حتى كبرت وجسد
نظامك المعرفي غير نقي ولم يخطر على بالك أن تنقي
اعد إنشاء مكتبتك من جديد .
ربما وجدت قواعد منفصلة غير منضبطة لتلقي "المعلومات" في كل علم وفن.
لكن إنشاء قواعد موحدة بالكسر وموحدة لكل العلوم والأخبار والأحكام مما فطنت لأهميته ، وغيابه أحدث من اللبس الكثير ومكن المضللين من إدراك مآرب غير ما يراد للعلوم
إن إيجاد قواعد عامة وإثبات صلاحها لكل فن ليعد وحده باعثا على الاطمئنان إليها.
والقواعد الموحدة حين تكون في متناول المعلمين والمتعلمين والعامة صار  الجميع قادرين على محاسبة الجميع وخرجنا من نظام التبعية والتقليد والتلقين والخداع ولم يعد عائق "الثقافة" والتخصص حائلا دون المسائلة والمحاسبة وكي لا يكون العلم دولة بين مدعيه وحصنا يمنع الاقتراب منه ويستأثر "الخاصة" بادعاء أحقية التوجيه ويضيع الحق بين متناظرين ولا يجد العامة وسيلة للحكم على أحدهما لاتّباعه فيما قاله مما عرفوه من الحق
وقد لعب الكثيرون بعقول الكثيرين وشق على الناس تمييز الخبيث من الطيب حتى صاح الكثيرون " حرنا... أيهم على حق" .
وتصدر آلاف من الجهلة وبرزوا وغر الناس فصاحة مزيفة أو كلمات منمقة تخفي خلفها أفكار عفنة ودعوات باطلة .
وصارت الحال أن يتداعى الغوغاء على ناصح أمين يحذرهم من دعاة كذبة أو خطباء مضللين ومفكرين مجهلين.
فتارة تعذرهم بأنهم في العلم والفهم مفلسون وعن معرفة الحق عاجزون فما وسعهم إلا أن يتبعوا كل ناعق ووسيلتهم في الحكم على علمه  ليس له صلة بالعلم
فإن سألت أحدهم : ما أعجبك في هذا الرجل؟
إما لجأ إلى شهرته أو استند إلى اتهامك بالجرأة أو هرب منك بما حصل من تزكيات وشهادات
وكأن من اشتهر أو زكاه غيره أمن الهوى والفساد وما سأل نفسه فهل سنعول على المزكي بمزك ثم مزك
ونسي أن سلسلة التزكيات هذه لن تنتهي إلى سند صلب

لا أبالغ إن قلت أن أكثر من 100 مليون كتاب قد وضع في مختلف الفنون والعلوم  وبكل اللغات ومنذ أن عرف الإنسان الكتابة
ومنذ الصغر وأنت تتلقى المعلومات والأخبار من الأقربين والأصدقاء والمعلمين والمتلفزين والمذيعين والكتب والمجلات والجرائد.
ولأنك غض حينها، لا تملك ما يجعلك تميز ويكون معيارك الثقة وغالبا المظاهر الخداعة
والثقة نفسها  كي تحسن وضعها فيمن يستحقها تحتاج علما أنت فقير إلى النقي منه.
فلما كبرت أصبحت صندوقا لمعلومات منها الحق وكثير منها باطل.
لن يخطر على بالك أن تراجع وتبدأ بالتصفية
فإن خطر ، فإنك لا تملك الوقت لذلك
فإن ملكت فأنت غير قادر على هذا
لأن العلوم التي بها ستراجع هي إلى مراجعة أحوج.
 قد نسج الناس  لأنفسهم مخزونا معرفيا خيوطه متجافية وهو لا يشعرون
ولا يدرون أي الخيوط أولى بالإزالة .

سأخرجك من خضم ومعمعة معلوماتك لترى من الخارج
سأعطيك جهازا يكشف الصالح من الطالح مما "تعلمه" وذلك في هذا الكتاب وبضع صفحات مبينة لهذا الشتات في الكتاب الثاني
فإن وعيت الكتاب الأول أشركتك معي في الولوج إلى الكتابين الثاني والثالث.
الكتاب الثاني فيه تتمة هامة وململمة لهذا وننطلق منها إلى مباحث في الشريعة و "الفقه" وأصوله
والثالث في الفيزياء والعلوم الملازمة وننتهي إن استطعنا إلى نقد الفلسفة والآداب وعلوم الإنسان والاجتماع
عند الانتهاء من هذا الكتاب وإعادة قراءته ستكون واعيا لما يكمله
وهل أنا أخطئ كل من سبقني؟
ليست هذه غايتي
وإن كان هذا من الأسئلة المهولة المنفرة، وإني أسأل :
السنا في حاجة لقواعد تفض الاشتباك بين الخصوم وبديلا عن حال أن يقال المتعارضان ويحترم الرأيان فلا نتقدم خطوة .
الكتاب لـتأخذ منه أما معارضته ونقاشك فيه فمن الانصاف الرد عليه حين إكمال الكتب الثلاث فقد يخفى على الراد عليه ما سيظهر في الكتاب الثاني أو الثالث
فإن كان لا بد من رد ، فليس بأصول الكتاب اختار غيرها .
 لدي أفكارا جديدة كثيرة والتجربة علمتني أن المقابل أحيانا لا يعرف أصلا ولا يفهم المقدمات التي انطلقت منها فكان لزاما أن تشرح وتفهمه هذه المقدمات وهذه واحدة من وظائف هذا الكتاب الأول .
ربما كانت لغة الصفحات الأولى منفرة لكني حالما بدأت في صلب موضوع الكتاب لجأت إلى التكلف في إيصال الفكرة وإفهام القارئ مضحيا أحيانا بالفصيح و"البديع" من البيان ولكني، ولأننا لا بد وأن نحافظ على رتبة من الكلام أن نزلنا إلى ما دونها لم يعد الكتاب صالحا لقراءة من ينفر من الكلام الركيك، اخترت أدنى لغة يمكن أن يفهمها من يشترط مراعاة أفهام أكثر من يقرأ.
 وكنت قادرا على الانحطاط أكثر لكن صفحات الكتاب ستكثر وسأنشغل بما أستطيع أنا أو آخرون تبسيطه بشروحات مما يتطلب تفرغا وسعة.

هذا الكتاب ليس لمن يريد مطالعة ما يقضي به وقته أو ينال معلومات "عامة" ، فأنت مقبل أيها القارئ على عالم نعيد فيه كل شيء إلى نقطة "الصفر" وهو كتاب من ثلاثة كتب ثانيها ديني وثالثها ما نستطيع أن نصفه بالفيزيائي
هل أنت ممن يكترثون لهذا؟
كم واحد من الناس يقر أنه لا "يفهم" هذه الحياة
مَن مِن الذين نصّبوا انفسهم "حكماء" وعارفين و"فلاسفة" زعم أنه حاز الحقيقة
سيخجل البعض من الإقرار والآخرون ليسو مستاءين من هذا طالما أنهم مع الباحثين عن الحقيقة في الهم سواء
الحقيقة......
 تلك التي صدع  بها رؤوسنا كل من ظن أنه أهل لمسك القلم وتسويد الصفحات
ترى ما السبب؟
ما رأيكم بفكرة 
وهي الآن فكرة وستغدو بعد حين غير ذلك
الفكرة هي......
أن ننظر إلى الحياة من مكان آخر أو نرتب الكرات ترتيبا يسهل به علينا عدها
فلو أردت عد كرات مبعثرة خشيت أن تعد كرة أكثر من مرة أو تغفل عن واحدة أو أكثر فتقوم بجعلهم صفوفا لتضرب ضربا حسابيا عديد الصفوف بعديد الأعمدة ولربما فطنت إلى وسائل أخرى أكثر أو أقل جدوى

 كن على علم
- أنا لا أعد مسبقا الأمثلة فعندما أصل إلى موضع احتاج  فيه إلى مثال  أكتب أول ما يخطر على بالي فربما لم أحسن اختيار خير الأمثال ،ولكن حالما أعانك المثل في فهم الفكرة انس المثل وغادره حالا  
- بالعجلة وإهمال المراجعة قد ترد في بعض الأمثلة أخطاء علمية فاطمئنوا فإنما هي أمثلة ، الخطأ العلمي فيها ليس لإقامة حجة أو دليل، أو تقديم معلومة من المثل نفسه ، وإنما لتقريب الفكرة للذهن، كما أنه تقيدني في الامثال الخشية من ورود مثل يفهم منه تصفية حسابات مع فكرة 

 لكن هل يجوز لنا تغيير موقعنا؟
نعم ...،
ولكي نفهم ، نحن في الأصل نحاكم ونحكم علي غيرنا من الأشياء-إلا ما سنستثنيه لاحقا- بعيوننا وحواسنا وخبراتنا فما تراه ضئيلا حقيرا لا تراه الذبابة كذلك ،والصندوق الذي ترى وجها منه أحمر فتظن أنه احمر، سيظن من يرى وجها آخر له أخضر أنه أخضر، ومن يرى جريان الشمس من مشرقها إلى مغربها لأنه على الأرض يقول أن الشمس تجري وأنا وأرضي ثابتة ،أما الواقف على سطح الشمس –الغازي القاتل لمن قرب منه - فسيسخر منك وهو يرى الأرض –بعد ستة أشهر أرضية - قد غادرت مشرقها وبلغت مغربها
فهل هذا يعني أن الحقيقة تبع لمن يراها ومتغيرة ومرهونة بناحية النظر إليها كحال قول بعض المدارس الفلسفية؟
من المبكر جدا أن نقول هذا وإلا فلا داع لإتمام كتابة وقراءة هذا الكتاب.
نحن ماضون في تأصيل جديد لإرساء قواعد جديدة وهي أداة لمراجعة شاملة للإرث العلمي البشري بعيدا عن الخوض في أمثلة موحشة لمن لم يذق مرارة النظر في كل العلوم تاركا الغوص في التأصيل الفيزيائي الأكبر لكتاب هو الثالث –إن شاء الله - من ثلاثة كتب ،ما تقرأونه أحدها
بتأصيل جديد هكذا يصبح كل شيء محل نظر ؛
الاسم والفعل والتعريف والدليل والمصدر والشيء والعدم وأنا وأنت والحياة والموت
كل أولئك سننظر فيهم متجنبين إرهاق القارئ بأعماق العلوم وبما يبعدنا كثيرا عن مسارنا
قصة الكتاب
أول كلمات كتبت - لتكون في هذا الكتاب-  في سنة 1999 وكان المبتغى لما كتب حينئذ عنوانا آخر وها أنذا أكتبه بصورته الاخيرة ونحن سنة 2012 بمضمون أوسع ومختلف وأشمل وأعمق وبكلمات أقل
وعلى كثرة ما قد قرأته من كتب وسمعته من علم  قبل عام البدء الأول فإني قد علمت –ولله الحمد- بعده أكثر ، ووجدت أن هذه النواة قد نمت وأينعت حتى وجب أن يغير موضوع وعنوان الكتاب ليشمل الحياة والكون وصُحح بعض ما اجتهدت فيه حتى أضحى ما ترونه ولقد قضيت هذه الأعوام مراقبا ومطالعا ومفكرا ومتفحصا لا أكتب ،وكنت أنوي أن أتريث أكثر قبل النشر لعلي أكمل ما أظنه ما زال ناقصا ولكني خشيت ، إن تأخرت أكثر، أن يكمل عمري قبل أن أكمل ما أريد إكماله  .


الباعث على التأليف
وجدت بين الناس من التيه والتخبط ما دفعني أن أضع بين أيديهم ما يزيل اللبس وينقي ويخلص النافع من الركام الثقافي والأدبي الذي زاد وقد شارك فيه متصدرون للعلم ، كثير منهم فاقدون لما من أجله تقصده الناس
وكي لا يكونوا فريسة لكل متعمد إضلال وسائق لهم يبغي مطامع .
وتجد فئات لا تحسن تمييز الطيب من القول وهم يستمعون إلى فرق تتجادل وتتنازع .
وأضحى الحق دعوة يدعيها أهله وخصومهم والناس حيارى لا تدري
فإن كان الطالب باحثا ضل الطريق فهو مرادي
أما الباحث عن الطريق الموصل لهواه وعن ثغرات يحي بها باطله فهذا لن ينفعه قول ولا برهان وإن بانت فضيحته فعظم تشبثه بمتاع جعله جلدا حتى في ادعاء العمى
ولمن كان يرضي فضوله بسموم ويكتم تساؤلات وهو يستمع إلى تفسيرات ونظريات يسردها المتبوعون على الاتباع أو يسكن دماغه كما يحاول الناس تسكين فضولهم بين يدي واعظ أو خطيب أو كاتب أو كبير سن فلا تسكن فينقلبون ضحية لكل مشكك وزبائن لكل ملسون عليم اللسان .


أليس كل شيء على ما يرام ؟
لا ....
وكلما كانت القضية أبعد عن العلوم "الصرفة" كانت أكثر غموضا وتضليلا واشتباكا
ولأني ممن يحاربون "التعقيد" والأفكار المركبة والحشو الرامي إلى خلق هيبة لدى المتلقي والظهور به بمظهر بحر العلوم ولظني أن الفكرة الحقة هي تلك لا تعجز عن إيجاد كلمات قليلة لها فإن ما سترونه كنت قادرا على جعله بمئات الصفحات بأن أتوسع بشرح كل فكرة والإتيان بكثير من الأمثال .

              شروط الكتاب
لن تجد في هذا الكتاب عزوا أو إحالة أو مصدر لأن مفهوم "المصدر" واحد مما سنبحث فيه فلا يصح ان نعزو لمصدر ومفهوم المصدر لم يتضح بعد
وقد اشتبه على الناس "المصدر " و"الدليل"
ومن كان همه الكلام – مثلا – في حكمة العجائز، لا يستدل عليها بكلام أحداهن.
      نحن هنا خارج المدارس والجامعات
المدارس والجامعات والكتب والبحوث تنهل من مراجع ، والمراجع إما بحوث واختبارات ودراسات تجرى وفق معايير ونظريات ومفاهيم في نظرية المعرفة وفلسفة العلوم
أنا تجدوني هنا أعمل – بل وما أعلى من هذا - ولهذا لن تجدوا كلاما عن تشخيص مرض الجدري أو قياس الرطوبة أو تفاعل حامض الكبريتيك أو حل معادلات الدرجة الثانية فلكل هذا ولغيره أصول
ولمن قرأ كلمة أصول وأعاقته في فهم جملة وجدت فيها أقول:
تطلق هذه الكلمة في مناسبات عدة وعلوم وفنون عدة ففي الدين إذا وضع أصل أن الله تعالى - وهذا مثل لإفهام الفكرة وليس للدلالة على شيء أو اختيار قول - رحيم يتفرع عن هذا الأصل أن الله تعالى لن يعذب بشرا [2]. وإذا اتخذ أن الحديد لا يصدأ أصلا سيتفرع عنه الكثير ومنه أن ما رأيته اليوم في محل عملك صدئا ليس بخشب وقد تتعارض فروع أصلين أو يعارض أصل أصلا أو يضعف أحدهما الآخر وتسمع بفن اسمه أصول الفقه فيه يشرح كيف تستنبط الأحكام وهذا وما قرب منه سيكون محل نظر في الكتاب الثاني بعونه تعالى.
وتستطيع أن تتقبل كتابا بلا مصادر كما تتقبل رواية أو قصة ولن تروا قاصا يعزو في رواية .
ولمن لا يجد في الكتاب رائحة بديع ألفاظ وتماسك "سياق" ورصانة "تراكيب" فأقول له:
نحن نبحث في هذا الكتاب في أمور تمس جوهر وأصل اللغة والكتابة ولن يبقى معيار لدينا مستعار وبقي مما يهمن أن تصل الفكرة إلى القارئ فإن وصلت فقد حققت المبتغى ولن يمنعني من ذلك تكرار الفكرة والشرح مستعينا بأكثر من جملة أو حتى الانحطاط إلى لغة الناطقين الجدد بالعربية.
وكثير مما ستقرأونه لم يطرق بابه أحد وربما بعضه طرق بوقع آخر ففطن اليه الإنسان وصنف فيه وكتب فيما يحوم حوله ولن نميز بين هذا وذاك بين ثنايا الكتاب وسنمس صلب العلوم والآداب والقضاء والتعليم وشيء من التوطئة للفقه الذي سيكون له كتاب متمم مما قد يفسد على المتذوق لجمال لغتنا حلاوة الجمل.
فالبلاغة والفصاحة والنحو نتيجة بناء معرفي سنخرج من حدوده وهؤلاء وإن لم يكونوا موضوعي فقد نحتك بهم قليلا ونحن لم نكتب لنغير لغة لناس بل أن ما اتفق عليه الناس قد يكون أحيانا مخرجا لبعض الخلاف[3] .
ولربما وجد المشتغلون باللغة لحنا أو شذوذا[4] فيظنوه خطأ – ولست بمعصوم – وهو قد يكون مراعاة لأفهام الناس وما اعتادوا عليه من جمل.
وما ظنكم بعشرة قرأوا هذا الكتاب سوى أن يتفرقوا بين من يسخر أو يسفه أو يعجب به أو يعاديه ويحمل لواء حربه ومنهم من لن يفهم منه شيئا أو يفهم بعضه وآخرون لن يروا جديدا فيه.
ستقرأون في هذا الكتاب – كثيرا – جملا نحو "نترك التفصيل في هذا لكتاب آخر" أو " سنعود لهذا في الكتاب الثاني" وجملا شبيهة وذلك أني رأيت أن  من المناسب أن لا ألقي الأفكار التي أريد عرضها كلها في هذا الكتاب فحذفت كثيرا منه لأحاول عرضها في الكتابين الثاني والثالث  واكتفيت بمقدمات لها مراعيا بذلك أن كثير من القراء سيصعب عليهم استساغة كل هذه الأفكار
أقول هذا بمثابة فرصة للقراء ليقرأوا هذا الكتاب فإن حفزتهم الأفكار انتظروا المزيد أما إن لم يروا منه ما يبعث فيهم شوقا للاستزادة فقد ارحته من عناء تقليب صفحات كثيرة محشوة بالجديد غير المألوف ولم أرهقه بما سأضعه في متممي هذا الكتاب .
وهذا لا يعني أني سأجعل هذا الكتاب فهرس أو تنبيهات ومقدمات صرفة بل الكثير مما أراه من أهم ما كتب أن وعى القارئ علل مكمن الخلل في المعرفة البشرية التي سأنبه إلى بعضها هنا.


مم أنت موقن  ؟ 
مما تدعيه أيها القارئ  وتراه يقينا أنك موجود ، وبالرغم من أنك لو سئلت ما الوجود لصمت أو هذيت أو هرعت لكتاب أو قول من تراه حكيما  لكنك تعي أنك وأشياء كثيرة أخرى في ما نسميه وتسميه الكون
ولا شك أنك شعرت أنك عن الآخرين من الأشياء مختلف وأقرب إلى من تراهم من بني جنسك

ولا أظن أحدا قادرا على رسم خط "فاصل" بين ما نسميه حيا وغير حي  ولكنك جبلت وتطبعت على أن تعامل كل شيء بما تسلم به وتعيش حياتك وأنت تكتشف وتفهم وتتعلم وتموت وقد فاتك الكثير  وقد يحيى غيرك أعمار تفوق عمرك ولا يزالون يتعلمون

إن لم تفهم ما أريد من عبارة  في الكتاب فلا تقلق فالقادم كفيل والتكرار كثير ولكن هذا لا يعفي من ترك قراءة ما استعصى كاملا وحال عثورك على فكرة مرتبطة بما في مكان آخر فعد ، وقراءة الكتاب مرة واحدة غير شافية فالقراءة المستفيضة الأولى بالكاد تكسبك مجال الكتاب وكلما اكثرت من مرات قراءته اقتربت من مرادي في كل جملة وإذا كان تنبيهي هذا مثبطا لك ويفتر من عزيمتك للقراءة فإني لا أرضى إلا أن أكون ناصحا أمينا ولا أقبل أن أضيع وقتك حتى وأن كنت أرى النفع كل النفع منه وأحرى بك إشغال الوقت به
ولكني قبل أن أواصل أود أن أخبرك أني في حرج كبير وأنا أكتب الكلمات فكل فعل أو اسم استعمله –و انا مكره –  فإني مستعمله لمعنى يفهمه الناس  بهذا الاسم  أو الفعل وإن كانا في الأصل لمعنى آخر مختلف أو قريب وحسبي أني إن استعملته كما أريد انصرفت أذهان الناس إلى معاني حسبوها لهذه الالفاظ
ولا أدعي – والعياذ بالله – أني وحيد زماني أو فريد عصري وإنما علي اتباع ما هو عندي صواب
ولو أصررت على التدقيق في المعاني – ولست بغافل عنها في قابل الصفحات – لن نكمل ما  بدأناه وكيف أضع العراقيل ونحن نريد ايصال الناس للمعاني التي نريد وكيف ستصل وقد سمينا المسميات بغير الاسماء التي يفهمون بها تلك المعاني
استعن بالله وابدأ
لم اكن انوي أن استهل بهذا التعقيد وأعد أن القادم معين
ونبدأ بمثال :
اجعل الكون عندك  بركة ماء راكدة وكل قطرة وحيوان ونبات وورقة طائفة وحجرة غارقة وما علق وعام في هذه البركة بمنزلة الجبال والإنسان والحيوان وبكتريا التدرن وباب الدخول إلى متحف اللوفر وصخرة في واد سحيق وقطرة ندى متشبثة بورقة شجر وذرة هليوم في نجم يبعد عنا "ملايين السنيين الضوئية" وكل ما يتفق الناس أنه جزء من كوننا هذا .
لو ألقيت حجرة في هذه البركة فحركت مياهه الراكدة  فسيسري أثر الحجر الملقى في كل البركة فلا يبقى في البركة شيء إلا طاله الأثر  و"علم"  به ([5])
سيسري الأثر فتلطم الموجات كل ما في البركة بعد أو قرب وسيصل إلى أي جسم في البركة أثر سقوط الحجر
لكن هل ستصل إلى كل ما في البركة موجة ؟
أما أنا فأقول نعم , والوقت مبكر للدخول في معركة مع الفيزيائيين في هذا وإني بعون الله متمم لهذا الكتاب بكتابين أحدهما في فيزياء أفكار هذا الكتاب ومزيد عليه افكار فيزياء صرفة وثانيهما في بعض الفقه وأصوله مما يبنى على ما نخط هنا ومعه مثله من أراء جديدة نسأل الله التوفيق
أن أشد ما جعل الكتاب متأخرا هو الغوص في النظريات الفيزيائية علّي أخرج بحلول لما حير مؤسسي وأساطين هذا العلم وإن كنت قد خرجت ببعض ما فتح الله علي به فإنه لازال محتاجا للتمحيص وهو لابد - مراعاة للنسق - أن يعقب هذا .
في هذا الكون الوسيع الذي مثلناه ببركة كل شيء فيه يؤثر ويتأثر بالآخر وما أن يحدث فيه حدث حتى يسري فيه ويجوب أقطاره فيتلقى كل جزء فيه أثر الحدث وأثر الحدث في غيره
أعلم أن الكلام عسير على الفهم عند الكثيرين ولكن ما قلناه لب الكتاب ونواة الفكرة وسيتفرع عنه الكثير فلا خوف طالما سنعود إليه مرارا ونظل ندندن حوله ونعيد فإن فاتك فهم مثل فانتظر من الأمثال الكثير وستمل منها لأننا كلما جئنا لنشرح فكرة ضربنا مثلا لا يغادر كثيرا هذا إلا بعض الأمثال التي ضربت هنا وهناك .
كل شيء في هذا الكون يؤثر في غيره بنفسه أو يؤثر في غيره بتأثيره في ثالث يؤثر في الثاني أو رابع يؤثر في الثاني ولابد معه أن يؤثر في الثاني والأثر في الثاني والثالث والرابع لابد مرتد ليؤثر في الأول
كل شيء يؤثر في كل شيء
لهذا تبعات فيزيائية أتركها حين نعمم فكرة الكتاب ليكون فيزيائيا صرفا وهذا حين نشتغل في كتاب آخر
ولكن كتوطئة فإننا إن كان لدينا في الكون عشرة أجسام فقط فإننا لا نقول أن كل جسم يتأثر بعشرة أجسام
لا....
بل بأكثر من هذا بكثير ولن أزيد على هذا هنا خشية الخوض في ما يتعدى حدود الكتاب
ما كان موهما في مثل البركة هو أننا ادعينا أنها راكدة فيظن القارئ أن الكون يعرف الركود وهذا ما لا يعرفه الكون الذي لا يتصور له وجود – إلا بإذن الله – بسكون وركود
دونك هذا المثل :
لو ضربت (على)الطبل اهتز غشاء الطبل .
أثرت في غشاء الطبل فاهتز واهتزاز الغشاء أثر في الهواء المحيط بالطبل فاهتزت (جزيئات) الهواء فأثر كل منها في أخرى  حتى يصل الأثر إلى طبلة أذنك فتهتز واهتزازها يؤثر فيما ورائه من أعضاء وأعصاب حتى يصل الأثر إلى المخ
ليست هذه كل القصة ، فلربما أثرت إحدى طبقات الهواء المهتز في ذبابة تطير في الجوار فذعرت لتحط على عين قطة ففزعت القطة فتجري لتقلب صحنا فيسقط على يد طفل فيصرخ فتهرع إليه أمه الممسكة بمرآة يحلق مستعينا بها الأب فتسقط فيرتبك فيجرح وجهه.
كل فرد من هذه السلسلة يمكن أن يؤثر في متأثرات أخرى ويتأثر هو نفسه بغيره من السلسلة ويتشعب الأمر فلا يبقى مما يتأثر شيء إلا وطالته أصداء الحدث فصراخ الطفل مثلا يهز طبلة اذن الأب وهروب القطة منعها من قطعة لحم مرمية تحت الكرسي  غفلت عنها ربة البيت  فتبقى اللحمة فتجذب النمل ف"يتكاثر" بعد هذا الغذاء وتستمر سلسلة متشعبة .وذاك الرجل مجروح الوجه ينطلق ل"يعقم"وجهه وفي المطبخ يرى من نافذته ضوءا من الغرفة العلوية لبيت جيرانه فيستغرب وهم رحلوا أمس إلى بلد بعيد ........
يمكنني أن أقضي عمري - بل وأعمارا فوق عمري -لأسرد تبعات دقة الطبل هذه .
قد يتخيل الناس أن الأثر سيتبدد ولن انشغل في هذا الآن ولكني أقول : تبعا لأثر لن يتبدد، فنحن الآن تطالنا آثار القرون الماضية وأرجو من كل من يقرأ أن لا يحمل الألفاظ ما لا أريد فتريثوا ولا تستعجلوا فيظن ظان دون بينة أني أنصر فريقا أو طائفة بجملة هنا أو أني أمس عقيدة أو معتقدا هناك ولا شك أني لي عقيدة لكن الخشية من الفهم السقيم .
أزعم أن الأثر والآثار المترتبة تجوب الكون وإذا كنا لا نرى أثرا لضحكة رجل في الهند على جو المريح فالذنب ليس ذنب المريخ وإنما ذنب حواسنا وأجهزتنا التي لا ترصد الأثر .
لم نزود بحواس ترصد كل شيء ولم نطور أجهزة لكل الآثار ولن نستطيع والسبب لا يتسع المقام لذكره.
الإنسان جزء من هذا الكون الذي تتفاعل فيه أجزاءه بأنفسهم وبغيرهم ولأنه جزء فهو كغيره من الأجزاء كالشجر والحجر والرمل والهواء والماء والبهائم وسائط لنقل كل أثر .
الصوت كي يصل يحتاج إلى وسيط (وسط) ينقله والوسط قد يكون هواءا أو ماءا أو حديدا أو أي جسم يتأثر بالصوت , فيتأثر الوسط بالصوت ويؤثر في غيره ويبقى يتنقل الحدث بين الوسائط ويتحول من لون أو "شكل"  إلى آخر [6].
 غشاء الطبل اهتز عند ضرب الرجل به فكان أثر الضرب فيه اهتزاز كما أن أثر اهتزاز الغشاء في الهواء المحيط اهتزازا للهواء واثر اهتزاز الهواء في طبلة الأذن هو اهتزاز الطبلة ويسير الأثر حتى ينتهي حيث يظن أنه ينتهي .
ولكن ليس الأثر دائما اهتزازا فلو وضعنا جهازا إن "سمع" الصوت أضاء كان الأثر أو (ردة الفعل) ضوءا كما سيكون الأثر خروجا من البيت للرجل المنزعج من صراخ طفله .
تنبيهان :
1-                     ربما تشعر بالملل من ترديد الأثر والمؤثر والتأثير وربما يلفه هذا بالغموض فإني أعدك بأن في الكتاب تسميات أخرى تصلح بديلا وما إصراري عليه إلا للتنبيه على الأصل ولجعل الأمر علميا بإلباسه زيا لغويا صرفا
2-                     وهكذا كانت عبارة ردة الفعل واحدة مما يصلح فردة الفعل هو أثر لمؤثر. 
كل شيء يؤثر في غيره وأثر مؤثر في شيء قد يختلف عن أثره في شيء آخر.


مثال أوسع ومهم :
لو كنت واقفا أمام "نافذة" زجاجية في غرفتك تشاهد شجرة تهتز فإنك قد تفهم أن رياحا تهب
وقد تفهم أن ابنك سعد يهز جذع الشجرة من أسفل فهذه – كما تعلم –  "طبيعة" سعد.
ولكنك قد تعلم بهبوب الرياح من جمر يستعر بجانب الشجرة فهذه طبيعة الجمر فهو يستعر عند هبوب رياح .
وأطلب منك أن تعيرني انتباهك
أثر الريح في الشجر أو اوراقها هو هزها و هز أوراقها ، وأثرها في جمر متقد هو شدة احمراره كما أن أثر الريح في سفينة في عرض البحر هو "زيادة" سرعتها .
الريح تؤثر في الشجرة وأثرها اهتزازها (أو اهتزاز أوراقها اختر ما شئت )فالشجر لا يتكلم ولكنه يهتز عند اصطدام ريح به وكلامه هو اهتزازه والاهتزاز "معلومة " صدرت من الأوراق أو الشجرة .
ولا  أخاطب هنا فئة لأتكلم فيما لا تعلم واعرض عمن تعلم إن كنت أعلمه .
كما أن رجلا كان خارج المنزل ودخل عليك أنت الواقف داخل المنزل واقفا تنظر من خلال النافذة بانتظار ورقة تهتز أو جمر يستعر كي تعلم أن ريحا هبت فإن أثر الريح في هذا الداخل ظهر في قول " الرياح تهب " أو هبت الريح
مصدرة معلومة " هبت ريح" ، لو كانت الشجرة مصدرك الوحيد، هو الشجرة (أو أوراقها)
لو سمينا المعلومة خبر وكان الخبر : "هبت ريح" فإن مصدر الخبر هو أوراق الشجرة
فقد صدر من الورقة أثر الريح فيه وأثر الريح في الورقة هو اهتزازها
دليلنا على هبوب الريح هو اهتزاز أوراق الشجر ومصدر الخبر هو الأوراق
هل الدليل هو الخبر فكان الورق مصدر الخبر ومصدر الدليل
لا .........
الخبر شيء والدليل شيء فالخبر يحتاج إلى دليل فكيف يأتي دليل الخبر مع خبره  وسنعود للدليل كثيرا
الخبر : هبت ريح (أو ريح هبت أو الريح تهب )
المصدر : الورقة
الدليل : اهتزاز الورق
لما كان أثر الريح في ورق الشجر هو هزها كان اهتزاز الورق هو دليلنا على هبوب ريح
الأثر هو الدليل وهو الذي دلنا على هبوب الريح
كما أن احمرار الجمر المتقد والموضوع على موقد خارج المنزل دليل آخر على هبوب الريح ومصدر الخبر هو الجمر
أوراق الشجر تعلمنا بهبوب الريح وقد يعلمنا بذلك جمر يستعر أو رجل يخبرنا أن ريحا تهب
الاهتزاز صدر من ورقات الشجر (أو فروعها أو الشجرة نفسها) فالورقة مصدر وما دلنا على هبوب الريح اهتزاز الأوراق (أو احمرار الجمر أو ............)
ما الدليل على كل ما قلناه ؟
وإن  قلت أننا نبحث في المصدر والدليل إلا أننا سنجد في ما سيرد من صفحات شرحا لمعنى الأسماء، والدليل والمصدر اسمان
لكننا قلنا أن الأشياء تؤثر في كل الأشياء غيرها فقد أثرت في أوراق الشجر وفي الجمر لكنها لم تؤثر في الرجل الواقف داخل منزله يراقب اهتزاز الشجرة من النافذة
الريح تؤثر في كل شيء ؛في الاوراق وفي الجمر وفي الباب الذي ينفتح أو ينغلق بهبوبها ويؤثر في الرجل الواقف لكن الواقف لا يملك من الأدوات والحواس ولا يملك من قوة الحواس ما يجعله يشعر بكل آثار الريح فيه فتبقى بعض آثار الريح هي التي تؤثر فيه وهذه الآثار نفسها تؤثر في الرجل الواقف أو تؤثر فيما يؤثر في الرجل الواقف.

إمعانا في الحرص على وصول ما لم يصل بعد
كل شيء يؤثر في كل شيء وطالما كان الأمر كذلك فإنك ستتوقع أن يؤثر الباء في الجيم وفي غير الجيم وليس هذا فقط بل بما أن الجيم سيؤثر في الباء وغيره كالهاء –لأننا قلنا أن كل شيء يؤثر في كل شيء- فإن الهاء  سيتأثر بالباء كما أن الجيم تأثرت في بالباء .
كل شيء يتأثر بأي شيء وبما يتأثر بهذا ال"أي" وبما يتأثر بما يتأثر ب "أي" وهكذا وكل هذا من أثر الباء فكيف بأثر الباء الآتي من تأثر الباء الأولي
مزيد من تبعات هذه القضية سنبسطها في الكتاب الثالث
الرجل علم بهبوب ريح من اهتزاز أوراق الشجرة فقط
رجل آخر علم بهبوب الريح من "تسعر" جمر خارج منزله ينظر إليه من شباك
رجل ثالث داخل بيته علم بهبوب الرياح من صديق اتصل به بالهاتف أو دخل عليه المنزل فأخبره
ورجل علم هذا من شيئين أو ثلاثة مما ذكرت
ورجل رابع يعلم بالريح من رؤيته للوذ حمائم على أغصان الشجر ويعلم أن هذا الحمام لا يلوذ بالأغصان إلا عندما تهب ريح
وقد قلنا أن كل شيء يؤثر في كل شيء فما بال بعض الأشياء المتأثرة بهبوب الريح أعلمت الرجل ولم يعلم من أشياء كثيرة تأثرت بهبوب الريح
وقد قلنا أن الإنسان لا يملك كل الأجهزة التي تمكنه من رصد كل آثار هبوب الريح فإن امتلك تبقى معضلة تحسس أجهزته للريح وآثاره والكل يعلم – مثلا - أن حيوانات أقدر على سماع ما لا يسمعه الإنسان وأنها  أقدر على  رصد الزلازل قبل "شعور" الإنسان بها بل أنك ربما ستعلم بالزلزال من الحيوانات وليس من الهزة والحيوانات هنا شيء تأثر بالزلزال وأثر فيك وهنا سنسمي الحيوانات في هذا المثل وسيطا تأثر بالزلزال وأثر فيك وربما لم تتأثر أنت بسلوك الحيوانات (لغفلة أو جهل) وتتأثر بما يتأثر بسلوك الحيوان عند الزلزال كرؤيتك نتيجة لهرع الحيوانات إلى جحورها ولنقل – مثلا للإفهام وافتراضا لا أهمية للدقة العلمية فيه - رؤيته لحشرات لا تتحسس لزلزال - تقتات عليها حيوانات تحسست وهربت – قد كثرت
أعلم أن صداعا انتاب بعضكم من فرط ذكر الأثر والمؤثر والمتأثر فإني أعدكم أننا سنصل قريبا إلى ألفاظ أكثر ألفة واستعمالا وأقرب إلى ما تتكلمون به
وقبل أن نغادر مفهوم الأثر تصور خمس نقاط (تسمى عقد في مواضع) أربعة منها هي نقاط (رؤوس) زوايا مربع وعند تقاطع قطري المربع تكون النقطة الخامسة
وإذا كان كل خط بين نقطتين هو أثر نقطة في أخرى فكم خطا سترسم؟
كل هذا لو اكتفينا بأثر (بخط) واحد فكيف بنا الحال لو وضعنا في الحسبان أن كل أثر يقع على نقطة يجعلها مرة أخرى تعود وتؤثر في الباقي ومسألة حساب عدد الخطوط بين العقد – بأي عدد كانت -  مسألة رياضية كان لها تطبيقات مهمة في عالمنا المعاصر لا أهمية الآن لذكرها
كنا نتكلم عن الأشياء ولا نفرق بين إنسان وحيوان ونبات وجماد وكنا نريد من هذا مقدمة لنتصور الحياة دون دور الإنسان كإنسان وإلا فدخول الإنسان في هذا النظام كان له أثر لا أريد  أن أقول أنه أفسده
وإذا قلنا أنه (الإنسان) أضاف إليه ما هو غريب عنه استطعنا أن نصف دورا للإنسان دون أن نسيء لأحد.
قلنا أن الحدث الحادث من جسم ينتقل إلى كل أجسام الكون الآخرى ومنه ما يظهر لحواسنا ومنه ما لا يظهر وما يظهر وما لا يظهر منه نستطيع أن نخترع له من أجهزة ما تتأثر به ثم تؤثر فينا هذه الأجهزة كورقة عباد شمس تتأثر بمقدار أيون الهيدروجين فتتلون فيؤثر لونها في أعيننا ونحن من قبل لم تستطع أعيننا أن تميز السائل ... هل هو حامض أم قلوي؟
ومنها ما لم نستطع أن نخترع لها ما يرصدها (يتأثر بها) فيؤثر ما يُرصد فينا فنعلم .
يجوب الحدث (أي حدث) أرجاء الكون الفسيح فمنه ما نشعر به ومنه مالا نشعر به بل تشعر به أشياء(سميناها تنزلا أجهزة) نشعر بها
ولأننا جزء من هذا الكون فإننا نخضع لما تخضع له كل الأشياء فتمر بنا أصداء كل الأحداث التي نشعر ببعضها بنفسها أو بوسيط أو بما يتأثر بالوسيط من وسيط وهكذا
الغرض من كل ما تقدم التوطئة لشرح موقع الإنسان من هذا الكون وها قد بلغنا الإنسان تاركين ما هو بعيد عن الإنسان لكتاب ثالث
الإنسان عندما يتأثر بحدث تكون ردة فعله (تأثره أو أثر الحدث فيه) على شكلين (تصنيف كغيره من التصانيف يختار خدمة للفكرة وسنمر على مفهوم التصنيف في مكان ما إن يسر الله ذلك)
أولا : ردة فعل طبعي : كهروبه من أسد مقبل نحوه وهو مجرد من سلاح أو عاصم أو منعة
ثانيا : رد فعل "مصطنع" أو متكلف : كتصنع إنسان الشجاعة بكلام أو حركات يد أمام مجموعة قطعت عليه الطريق طمعا أن يخافوا وتنطلي عليهم حركاته فيهربوا ، أو تصنع إنسان الندم أمام قاضي يوشك أن يحكم عليه بعقوبة أو تصنع رجل الكرم بأن يري من حوله انفاقه على أهل بيته والتصنع بالقول أكثر من التصنع بالفعل فيكذب متبوع أو واعظ فيتبعه آلاف .
لست راض عن أمثلة التصنيف هذه علميا لكني راض بها كوظيفة قبل رفع اللبس عن تداخل التصنيفين ولا تلتفتوا الآن لهذا حتى يتضح المزيد
قدرة الإنسان على النطق بما يفهمه بنو جنسه جاء بالطامات على البشرية فالإنسان يستقبل يوميا آلاف المؤثرات فيتعامل معها غالبا تعامل الصنف الأول وأحيانا الصنف الثاني فيكذب ويدلس ويلبس على الناس
لن تجد الكثير من الناس من يخبرك أن الجو صحو فتجد أنه ممطر ،لكن فيما يظن أنه يساعده على البقاء أو على العيش الرغيد أو ما يظن أنه شفاء لأمراض قلبه سيكذب ويدلس ويغش إن لم يكتم.
أود تذكيرك أن هوية الإنسان كجلد ولحم وعظام مركبة من عناصر كيميائية وجزيئات عضوية وهو به كالحجارة والحديد، لم يعد داخل مجال حديثنا وأثر الأشياء في هذا الجانب من الإنسان تدخل في صنف رد الفعل الطبيعي إلذي لم نضبطه لأننا في البدء .
نحن الآن نتكلم عند لحظة مجيء أثر خارجي من رعد أو برق أو مطر أو حرارة أو كسوف أو ...... أو كلام من شخص فيستقبله الإنسان فيقوم بفعل أو قول
نحن سندخل قليلا إلى عالم الإنسان ؛كلامه وفكره وسلوكه حتى يقوم بفعل أو قول فيكون أثرا في شخص آخر أو شيء آخر. 


كان اهتزاز ورقات الشجر دليلا على خبر هبوب الريح وقد قلنا أن اهتزاز ورقات الشجر أثر من آثار الريح الكثيرة في كل الأشياء فكان أثر الريح في الورقة اهتزازها وفي الجمر المتقد التهابه والخبر هو "هبت ريح" ومصدر الخبر ورقات الشجر لمن رأى اهتزازها وعول عليه مصدرا للخبر 
وظهور حشرات  لرجل في محبس مظلم عازل للحرارة والأصوات دليل له على إقبال فصل الصيف إذا علم هذا الرجل أن هذه الحشرات لا تظهر إلا في فصل الصيف فهو في سجن لا يعلم من طول النهار أو حرارة الجو[7] 


(وصياح الديك دليل (أثر) على قدوم الصباح (برغم أن ديكا يصيح قرب بيتي طوال اليوم وفي كل فصول السنة ويأبى أصحابه ذبحه رحمة بحنجرته وبي )
وهذا يصح على كل شي فمقدار سرعة دوران القمر حول نفسه يدلنا (يدل العلماء)على مقدار بعده عن الأرض


وبعد هذا نستطيع القول أننا قادرون على رصد أي حدث بواسطة آلاف الطرق بشرط أن نكون قادرين على رصد أثر هذا الحدث على أجسام أو وسائط أخرى تؤثر في حواسنا أو تؤثر فيما يؤثر في حواسنا أو تؤثر فيما يؤثر فيما .....حواسنا

وما لا نراه بأعيننا أو نسمعه بآذاننا أو نلمسه أو نشمه سنراه أو نسمعه أو نشمه أو نتذوقه بوسائط بأن تؤثر فينا هذه الوسائط ولن يتسع كتاب ولا كتب لكل الأمثلة المألوفة فكيف بغيرها [8]
قد تكون ردة الفعل النهائية للإنسان لأي أثر كلاما أو فعلا وقلت النهائية لأنك تجد دائما سلسلة متتابعة من المؤثرات كل واحدة منها متأثرة بغيرها 
فإن وصل -مثلا- أثر لعين الإنسان ،صورة كانت أم ضوءا، بدأت سلسلة تأثيرات بدأ بالعين ثم ما ورائها ولربما أنتجت إنزيمات أو أفرزت هرمونات تبعا لنوع المؤثر ولربما زاد انقسام خلايا أو تحللت أخرى ولربما زادت نبضات القلب أو ضغط الدم وتستمر سلسة أو شبكة ردود الفعل لتنتهي بفعل أو أفعال أو قول أو أقوال ولربما كان رد الفعل بين طبعي واصطناعي كأن تسخر من شخص فتراه يضحك محاولا إخفاء حرجه ولكن احمرار وجهة وارتجاف يديه وتعلثمه يبديان ما يحاول أن يخفيه
وكمثل آخر 
ربما جئت في يوم تطلب الود من شخص فترى من أفعاله ما  يعارض أقواله أو تري فعلين منه متعارضين لكن الفطن يعلم كيف يرجح فإخفاء المشاعر المتكلف لا ينطلي على  خبير .
من علم بما قلت وسأقول في باقي الكتاب سيستطيع أن يعلم غيره أكثر مما يعلم عنه أبويه أو ربما نفسه ولكن بعد الإحاطة والتمرين وليس بالفهم فقط ولا ينجو أحد من أخطاء في التقدير ولكن الاقتراب من فهم أكبر ليس بمحال 
لو رأيت إنسانا "يطعن" إنسانا بسكين وأنت على بعد خمسة أمتار فيخر المطعون مضرجا بالدماء فما ستقوله أن فلانا  " ضرب " فلانا بسكين أو تقول فلان "قتل" فلانا.
ربما لم يطعنه فأنت لست السكين التي دخلت بطنه لكن سقوط المطعون وارتباك الطاعن أو ربما هروبة وصراخ وردود فعل الحاضرين واقتياد الشرطة له وكثير من ردود الأفعال أدلة تتظافر لتجعلك على يقين من شيء كما أن إقامة مجلس العزاء بعدها أو توارث الورثة وغيرها من الآثار تجعلك تعلم أنه مات 
كل تلك ردود أفعال قد تؤثر فيك أو تكتفي ببعضها لتعلم أن فلان طعن أو قتل وفرق بينهما واضح لكل بصير 
قد أضع بعض الأفعال والأسماء بين علامتي تنصيص ريثما نتكلم فيهم
ليست العين أصدق الراصدين دوما وأنصفهم حتى وإن كانت ترصد مؤشرا يشير إلى مقدار تيار كهربائي في جهاز قياس التيار أو مقدار تردد موجة لون في جهاز سبكتروفوتوميتر[9] أو مستوى الزئبق على مدرج مقياس درجة الحرارة.
ولأننا ذكرنا هذا المقياس فمن المناسب أن أقول أن حرارة الهواء المحيط بزجاجة المقياس [10] تؤثر في الزجاجة فيكون الأثر اهتزاز جزيئات الزجاج التي تؤثر في جزيئات الزئبق فيكون أثرها فيها اهتزازا [11] في ذرات الزئبق فيتمدد الزئبق فيرتفع إلى الأعلى فيصل إلى حيث أريد له بعد ضبط تدريج المدرج ليلائم القيم المرادة المتفق عليها في نظام الوحدات ليكون الصفر درجة انجماد الماء والمائة درجة غليانه
وهذا حسب التدريج المئوي
هكذا تعمل أجهزة القياس وهكذا يفعل العلماء ويكتشفون ويخترعون علموا أم لم يعلموا .
كما ترون إلى الآن نجحت النظرة الجديدة في مواكبة وشرح وتوضيح مسائل لن أصفها
جهاز قياس ضغط الدم يضيق الوعاء الدموي فيكون أثر التضييق صوتا معهودا ستسمع شبيها به لو أنك أفرغت قارورة  فيها ماء لها عنق أضيق مما يجاوره  لتسمع صوتا مألوفا لتدفق ماء متذبذبا ومتقطعا  وهذا الصوت هو ما يحاول من يقيس الضغط بجهازه أن يسمعه فينفخ بجراب  قماشي بعد لف الذراع به  ثم  يستمع إلى الصوت بسماعة وحالما ينقطع الصوت يترك الهواء ليخرج  شيئا فشيئا حتى يبدأ هذا الصوت بالظهور عند أول انفتاحة للوعاء الدموي الذي سد من النفخ فيسمع هذا الصوت بالسماعة فإذا ما خفت هذا الصوت جدا وانقطع علم الحد الآخر من حدي ضغط دم الإنسان الطالب للقياس.
بقي أن نقول عن هذا المثال الأخير:
أخترت لكم - حتى نأتي إليه- أن نسمي ما نريد أن نؤثر فيه فيؤثر في غيره لنرى ردة فعل كالعربة ومفك البراغي والسيارة "آلة" ونسمي ما نريد أن يتأثر ليؤثر فينا جهازا -وهي ليست لفظة علمية- كجهاز قياس الحرارة والتلفزيون فيكون منفاخ جهاز الضغط آلة وسماعتها جهازا   . 


جسد الإنسان جسد كغيره من الاجساد يتأثر بالحرارة والرطوبة والضرب والضوء وما يمكن جمعه ب"أشكال" الطاقة فيتأثر بالمؤثرات على ما يلائم طبيعته الكيميائية فهو كالخشب يتفحم بالنار وكالحديد يتأكسد وككل العناصر الكيميائية تظهر فيه آثار أحداث أخرى.

ولكن قد يكون رد فعله من نوع آخر وليس كمواد كيميائية كالابتعاد عن النار ولبس الصوف في الشتاء وسد الآذان عند سماع صوت مدو وإلقاء حجر عند رؤية كلب يتهدده وكل هذه ردود فعل عملية

لكن الإنسان جبل أيضا على أن تكون بعض ردود أفعاله كلاما يفهمه من يفهم كلامه فيكون رد الفعل هذا ذا ميزات عظيمة وبعضها مفسدة.
لو أن كلبا أراد مهاجمتك فهل ينفع أن تكلمه ؟
لن تكون ردود أفعالك إلا أعمالا بدنية كالفرار وتهديده بعصا إلا  إذا استعملت الصراخ لإرعابه منك وهذا الصوت لا معنى له في لغة هذا الرجل وهو فعل وليس بقول.
لكنك قد توظف صوتك لتطلب النجدة ممن يفهم كلامك .
لو أن ما يريد مهاجمتك عصابة وليس كلبا فربما كانت ردة الفعل عملا وربما كانت قولا كمحاولة استعطافهم أو ادعاءا منك بالقوة بكلام أو تقول أي شيء تظن أنه نافعك في هذه الحال وتنبه فإن الأفعال والأقوال فيها ما هو طبعي وفيها ما هو متكلف وقد يحمر وجهك أو يتصبب العرق منك وهو طبعي[12] لكنك في نفس الوقت تدعي الشجاعة فتقول : أنا لا أخافكم بل أنتم أهون عندي من حشرة أدوسها. وهذا كلام لا يصدر ممن بلغ به الخوف أن يتصبب عرقا
والإنسان يشترط كي يتفاعل شيئا آخر ولنسمه "الفهم"  وهو تفاعل مع أشياء لا تتفاعل معها دونه إلا كتفاعل الجسد المادي إن وجد [13] أما الأعضاء فهي تخضع للعقل والمنظومة المنطقية للشخص .
وعندما لا تفهم فإنك تلجأ إلى ما يفهم أو من يفهم وهذا اللجوء أحيانا رد فعل طبعي وإليك هذا المثال :
لو كنت تلعب الشطرنج وكنت لست بأمهر ممن حولك من المتفرجين وقام خصمك بنقل حجر شطرنج من مكان لآخر فقد تلجأ إلى النظر إلى الجمهور علّك تعلم من "تعابير"[14] أوجههم خطورة ما قام به خصمك من نقلته ولربما حركت أنت حجر شطرنج فاستعنت برد فعل الجمهور الناتج عن فهمهم لما فعلت لتعلم أحسنا فعلت أم ارتكبت حماقة ؟
وكذلك يفعل الواقف بين رجلين متخاصمين يتحدثان بلغة لا يفهمها فإنه سيفهم إن كانا يتشاجران أم يطلب أحدهما من الآخر تزويجه بابنته أم يحكي له عن قصة مرضه؟  وكل هذا قد يلجأ الثالث لفهمه من حركات اليد وتعابير الوجه ونبرات الصوت .
وأنت تعلم حسن وجهك أو صوتك أو رجاحة عقلك من تعابير أوجه الآخرين أو كلامهم فيك أو نفورهم منك  ولا يغرنك كل مديح أو إطراء فلربما أساء أغلب الناس الحكم عليك وليس الناس في الفهم سواء . 
يؤثر الهواء الحار في زئبق مقياس الحرارة فيتمدد ويرتفع وكذلك أثره في الحديد، وأثره في الإنسان عرقا يتصبب ولجوئه إلى مكان أبرد وفي البيضة تفاعل يسرع في فسادها. 
وانتقالك إلى المكان الأبرد سخن المكان وقلل من تركيز الأوكسجين فيه وسبب ضغطا أكبر على أرض المكان  أو أحدث معادلة جديدة بين التجاذبات الحادثة في المكان الجديد وكثير مما نعلمه وما لا نعلمه .
وتمدد الحديد الناتج من الحرارة أثر فيمن أمسكه ونقص أوكسجين الغرفة أمات وأحيا من الكائنات ما الله بها عليم وكثير مما يحضرني وما لا يحضرني ومما نتلمسه ومما لا نتلمسه وكل ما تأثر يؤثر في غيره وأحدهم ذلك الذي أثر فيه أو أثر فيما أثر فيه .
لو كنت ضيفا على صديق وتحرجت من أن تقوم فتزيد من درجة التبريد في مكيفه لشعورك بالحر وتحرجت أن تغادر إلى مكان أبرد فلربما طلبت من صاحب الدار ذلك .
وهنا أثر ارتفاع درجة الحرارة فيك فتكلمت بكلام يفهمه صاحب الدار لتطلب منه فكان الكلام المفهوم با�

هناك تعليق واحد :

  1. taken from chaos theory and related stuff, with a twist.. sounds like plagiarism

    ردحذف