الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2012

الجزء التاسع من الكتاب الأول

في اللغة 

مرة أخرى أقول : أمر على كثير من أبواب العلوم والفنون مرور الكرام وكلي شوق أن أمكث فيها طويلا ولدي فيها كلام أكثر مما اكتبه فيها إلا أن هذا مضر بهدف الكتاب وبشوقكم لمتابعته وواحدة من هذه الأبواب هي اللغة 
ظهرت مدرستان أو مذهبان في مسألة نشوء وبدء اللغة العربية 

مذهب يقول أن اللغة توقيفية أنزلت من الله تعالى وساقوا لذلك ما قالوا أنه أدلة 
ومذهب يقول أن اللغة وضعية، اصطلاحية، اتفاقية وساق أصحاب هذا المذهب أدلة أخرى ورد كل مذهب على الآخر بكلام طويل ليس الكتاب محله ومن المبكر- إن أردنا الترجيح- الحسم في هذا
وللإنصاف فإن مذهب الاصطلاح ليس من لوازمه أن يجلس قوم قبل آلاف السنين ليضعوا لكل مسمى اسم في مجلس لم نسمع به ولم تصلنا أخباره 
أما إن ظهر مذهب ثالث يحاول المزج بينهما أو يفارقهما فهذا من المألوف عندما تتصارع نظريتان أن يخرج مذهب ثالث يحاول فض الاشتباك كما توقع فيلسوف أوربي أفسد أكثر مما أصلح 
وكما الحال في أصل العربية ظهر خلاف في أي من الشيئين اشتق من الآخر ؛الإسم أم الفعل
فكان أن نشأت مدرستان في البصرة والكوفة إحداها تقول أن الفعل اشتق من الاسم لتكون "ضرب" جاءت من "الضرب" والأخرى تقول المعارض ليكون "الضرب" مشتقا من "ضرب"
وليست مهمتي في هذا الكتاب الجزم في هذا الأمر لكني في هذا الكتاب وفي القادم منه ساعتمد المذهب القائل أن الاسم مشتق من الفعل ليكون "النوم" من "نام" و"الملعب" من "لعب" و"المطرقة" من "طرق" وقد جعلت مسلكي هذا لأغراض تعليمية تتوافق مع منهجي
لو علمنا كيف يتعلم الطفل لغة قومة في بضع سنين يعجز في أضعافها البالغ من اتقان لغة قوم آخرين كاتقان أطفالهم لها لساعدنا هذا على تبيين كيف نشأت اللغة عند من يرى أنها توافقية 
ومسالة تعلم الطفل للغة مسألة معقدة حيرت أصحاب هذا الفن ولم يخرجوا بحلول وأجوبة تريح النفوس وتسكن فضولهم وإني وإن كنت لا أريد الخوض في هذا كثيرا لكني سأدلو برأي أظنه يجلي بعض ما كان عجزوا عن فهمه ولا يهمني بعد هذا إن كان كلامي محل اعتبار عند أحد أو قيمة ولست أنا بمن قرأ كل الكتب التي خطتها يد البشرية لأعلم إن كان نبه أحد على شيء مما أقول
خلق الإنسان وخلق معه حرصه على ما ينفعه في الدنيا وأستطيع أن أصف كل ما يظن الإنسان أنه نافعه بكلمة "البقاء"
ولو شئنا أن نأتي بالأدلة على هذا لما وسعت كلماتنا صفحات ولكننا كيف نأتي بالدليل ولم نخض بعد فيه (الدليل) ولكن أما ترى كيف يكون جسم الطفل وهو يهوي في الهواء ،أفعلمه أحد هذا وعلم القطة والكلب؟
أما الإتيان بشواهد لبناء نظرية (وسنأتي إلى مفهوم النظريات والمسلمات والحقائق فيما بعد) لا يعدو أن يكون استقراءا  لا أريده وسأعرض عنه فآلاف المفكرين والمؤلفين والعلماء كتبوا وحكموا وأسسوا مع نقص الأدلة ومصادرة المطلوب والمغالطات وإني لا أرضى بهذا وقد اعتذرت بما قد سبق
هذا الإنسان إن كان طفلا أو بالغا أم راشدا يخلق ومعه ما يعينه على البقاء إن صادفه ما لم يخطط له 
والبقاء هنا كلمة تجمع أشياء كثيرة منها ما ليس بميت دونها
فحياته حريص عليها كما أن ما يجعل حياته رغيدة خالية من الأمراض والمآسي والأحزان والجوع والعطش والألم وعذابات النفس وجراحات الوجد وفقدان ما يسعده أكثر وغيرها ندرجها في هذا الإسم الذي لن يلم شملها الآن
بسمة الأب تريح الطفل وتجهم الأم تقلقه
وتعلم طفل لغة قومه كبير الشبه بترويض الوحوش فمروض الوحوش يستعمل أسلوب الثواب والعقاب وعاجلا أم آجلا ستكون لأوامر سيد الحيوان معنى غير الذي كان يعلمه أو يفهمه 
هذا الترويض يجعل للأصوات والحركات معان جديدة وسنشهد تغيير أسماء أو معان فيما بعد
عودا على الطفل ، فالطفل مع ترقب أبويه لكل حركة أو سكنة لطفلهما ولان حبهما له يجعل كل ما يصدر عنه من صوت أو حركة أو حبور واحيانا بكاء وعطاس وكحة مصدر أنس وابتهاج وانشراح أو تعاسة وقلق باد 
وهذا الطفل يرقب سلوك من يحبوه  تجاه سلوكه وهنا يعمل مبدأ سنسميه التصويب التفاعلي فيبدأ الطفل بتصويب أفعاله وأصواته إلى ما يرى أنه مريح له 
مريح له لأن راحتهما كما يراها مريحة له
فتبدأ الأصوات عشوائية لتتصوب شيئا فشيئا حتى تكون كلمات 
تبدأ بكلمات دون جمل ومع استمرار ردود أفعال الأبوين يبدأ الطفل في اختيار الأصوات التي تنتج كلمات تريح والديه أو محيطه ليرتاح 
أما تركيب الجمل فلن يشذ إلا قليلا وقد يلاحظ المراقب أن الطفل يخطئ كثيرا في تركيب الجمل حتى يبلغ من الكبر ما يضبط فيه وقد يلاحظ أن الطفل كثيرا ما يبدأ بكلمات معدودة نحو "بابا" أو "ماما" ولربما لاشتهار هاتين اللفظتين في كل لغات العالم رضيها الأبوين لتكونان مشيرتان إليهما ليبديا السرور حين نطق الطفل لهما فضلا عن أن هاتين الكلمتين تحملان حروفا يسهل نطقهما على الطفل ويكثر ورودهما (هذه الأصوات يسيرة النطق بالباء والميم وغيرها من أصوات الحروف اليسيرة بسبب مخارج النطق المميزة لها)على لسان الطفل قبل أن يبدأ بتجميع الأصوات لإنتاج ألفاظ ذات معنى يتفاعل معه الآخرون 
ما يفعله الطفل حتى يبدأ بالكلام عمل شاق وطويل ويحتاج لصبر وطول نفس وسعة صدر مما لا بد قد خلق معه يحدوه لكل هذا نشاط الطفل وحماسه الفطري وهو في أول سني حياته .
لكن البعض يعزو التعلم إلى قدرة الطفل على التقليد لكن التقليد في باكر العمر شاق فهو بالكاد يميز القليل ممن حوله ولا يمنع ذلك إن تقدم به العمر أن يقلد (يحاكي)
وإذا كان الكلام رد فعل يصدر ممن وقع عليه أثر ففيم ولم سيقلده الطفل وهو لم يقع عليه الحدث فهل رأيت أبا لسعه عقرب فسحب يده فقلده ابنه لكن الطفل سيتعلم عاجلا أم آجلا ردود الفعل كلها التي عند الكبار     
       
     

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق