الخميس، 15 نوفمبر، 2012

منطق عظيم : طالما أني في حاجة إليه فهو خير مني

إليكم هذه القصة لتسهيل فهم بعض المقالات الآخيرة التي كانت عن الحقيقة والفلسفة ونظرية المعرفة والمصدرية.
في يوم كان لي أرض فبعتها ثم باعها من بعته إياها وكثر المشترون حتى طلب مني في يوم أن أقوم (بتوكيل) محام ليقوم بإجراءات تسجيلها باسم مشتر.
ولكي تقوم بتوكيل محام فإن الكاتب العدل يجب أن يصادق على التوكيل فيراك ويسألك ثم " يوقع "
والكاتب العدل في الدولة العصرية هو ممثل الحكومة في شهادتها على إبرام عقد أو
اتفاق 
ولأن دائرة الكاتب العدل التي فيها خمسة أو ستة كتاب عدول مزدحمة دائمة فقد دخلنا جماعة من الذين يشاركونني المقصود من المجيء غرفة أحدهم وكان ككثيرين من الناس يلبس ثيابين
ثيابا جميلة يلبسها على جسده من سترة وربطة عنق وعطرا يفوح وشعر مصفف وشوارب سود ما ابيض منها 
وثيابا سلوكية كاختيار النبرة (المناسبة) مع الناس وحركات اليد المحسوبة  والكلمات التي يخاطب بها هؤلاء (البهائم)
ولحاجة الناس ودوام الزحام واستعجال البعض، ومحاولة آخرين أن يتوددوا ويتلطفوا ويتنازلوا عن أشياء كثيرة، مقابل أن يقللوا انتظارهم دقائق أو ليقولوا مفتخرين : ههههه لم أقف في الصف ، كل هذا جعل من هذا الموظف وغيره يتصرف مع الناس تصرف الملوك الذين يعني غضبهم قطع الرؤوس .
وقفنا ونحن أكثر من 15 متزاحمين امامه- وأنا في الخلف- منتظرين  أن يستدعي الكاتب العدل أحدنا ليراه ويطابق صورته في بطاقة الهوية معه ثم يصادق
ولأني ظننت أن أوراقي هي التي ينظر فيها حاولت أن اخترق الزحام لأكون قريبا منه حين يناديني لكن تموجات الزحام جعلتني أقف بجانبه فنظر إلي وبدأ يلفظ ألفاظا مملوءة سخرية واستخفاف ؛ ألفاظ ظاهرها العتب المؤدب ولمن يفهم سياقها ، هي اتهام لي بالغباء والهمجية وقلة الذوق ورد فعل الناس كان متوقعا من الضحك والابتسام المجامل للكاتب العدل
فكظمت غيضي وحبست كلماتي وأمسكت لساني شفقة على هذا الذي اشترى الأرض وطالت معاناته في تسجيل الأرض باسمه  خشية أن ينتقم مني الكاتب العدل بأن يعرقل جهوده.
سأخبركم الآن حجم النار التي أضرمت في بعد ما فعله معي الكاتب العدل هذا.
الكاتب العدل هذا يدرس القانون في كلية قانون (أو حقوق) ليصبح محام ثم إذا أراد أن يصعد سلم القضاء أدخل في معهد أو مدرسة لسنتين أو ثلاثة أو حتى خمسة ليتدرج في السلك القضائي فلربما بدأ بكاتب عدل .ولربما وضعوا محاميا ليعمل كاتب عدل إن كان من نقص في (الكادر)
ومهما يكن من أمر فإن هذا المحامي او الكاتب العدل يدرس القانون من كتب ويدرسه أساتذة قانون يقرأون من كتب.
هذه الكتب يؤلفها مختصون في القانون يعتمدون فيها على مراجع ومصادر 
هذه المراجع إما فيلسوف له نظريات في الحق والعدل والجريمة والعقاب والخير والشر والأخلاق والخطأ والصواب أو مؤلف يعتمد على هكذا مرجع؛لأنك قبل أن تضع دستورا أو قانون يجب أن تحدد معايير الخير والشر والجريمة والعدل و..........
فأنت لماذا تعاقب على السرقة ولا تعاقب على النوم في البيت 
لأن السرقة جريمة .............. وما الجريمة ولماذا السرقة جريمة 
لأنك عندما تسرق فإنك -مثلا- تأخذ ما لاحق لك فيه .
وما الحق ولماذا هو حقه وليس حقك ؟ ولماذا يجب ان نعاقب ولماذا العقاب يكون سجنا ولماذا ليس ضربا وهل السجن عقاب و..................... ومئات الأسئلة التي هي عمل فلاسفة رواد وإن كان بعض كبار الحقوقيين يشتغلون بها أحيانا لكنهم لابد راجعون فيها على أقوال المؤسسين.
فإذا علمت أن العبد الفقير الذي يكتب ما تقرأه الآن يسخر من أقوال كثير من هؤلاء الفلاسفة وينقض أقوالهم ويعريها ، علمت كم طبقة بيني وبين الذي سخر مني ربما لثيابي الاعتيادية ،أو ربما لأنه استخدم المنطق الساذج : طالما أنه بحاجة لي فهذا يعني أني خيرمنه، أو : طالما أستطيع أن أمنعه مما يريد فأنا أحسن منه ،أو : طالما أني لا أعرفه فأنا خير منه ،أو أي منطق مشابه دعاه افعل ما فعل.
هذا إن كان هذا المحامي كان طالبا نبيها في كليته ودراسته فكيف في بلاد لا يرسب فيها إلا من يظن أن في الرسوب خير.
هل تقدر الآن حجم الغيظ الذي كتمته إن صح إدعائي أني -على الأقل- أتناول هذه القضايا وأجادل فيها وأنقض بعضها.
الناس متفاوتون وسترى من المتواضعين الكثير.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق