الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

كيف تكسب قطعة وتربح بسرعة وتخسر متعة

الحاج نافع بقال يبيع ما يشتريه الصغار، وما يحتاجه الكبار، وهو يمشي على خيط رفيع إن غفل أو تساهل هوى إلى قاع الديون والخسارة والإفلاس.
فلديه سجل الديون، إن أخذ منه زبون دائم معروف بالآجل ولم يسارع إلى  تدوينه، طواه النسيان ولم ينفعه تقوى الزبون الذي أفرحه الظفر ببضاعة ولسان حاله يقول بين المغرب والعشاء....فالمتبضعون بالدين لا يجرأون أن يصروا على ترجيح ذاكرتهم على ذاكرة الدائن.
لنافع مهمة خارجية، للمطالبة بالدين، ليس فيها من الدبلوماسية رائحتها لأن الدبلوماسية
يستغلها المدين في المناورة ليرجع البقال بخفي حنين.
للبقالين مدرستان :
مدرسة السجل، ومن نقاط قوتها :استدراج الزبون وإغرائه بالآجل وضمان السحب الجيد لكن مع أناس إن ذهبت إليه نهارا كان مفقودا وإن اصطدته قبل منتصف الليل بسويعات خرج إليك بالملابس الداخلية ليخبرك بها أن هذا ليس وقت زيارة وليستغل حرجك المفترض في المساومة وفتح الموضوع منك بعزيمة مكسورة .
مدرسة الدين ممنوع والرزق على الله أو مدرسة لا دين ولا (بعدين) ولها أسماء أخرى: والبقال ينام ليلته ليس في قلبه غل وكره لأحد لكن الهم يأكله أحيانا عندما يتذكر ربح البقال سعيد وكيف أن محله عامر وبضاعته رائجة ومركبات الحمل التي تحمل إليه البضائع لا تنقطع فيعيش في هذا الصراع فيلجأ إلى أسلوب تصيد المصائب فما أن يسمع أن مدينا لسعيد هاجر أو تعثر بالسداد أو امتنع حتى يجلس جلسته المعهودة ويجلس من كان ممنوعا من الجلوس في المحل خشية الحسد وإحصاء الزبائن ويتوسع في الكلام ليقول : هذه حال من لا يعرف كيف يتدبر أمره ، ما أكثر ما نصحته .
هذه السعادة التي دفعته إلى تجاوز الخطوط الحمراء والسماح لبعض الناس بالجلوس هي سعادة التخلص من القلق الذي كان يلازمه والتردد الذي أقض مضجعه بين مدرسة السجل ومدرسة الدين .
لكن لا تظنوا أن الدكان واسعة ليجلس فيها الكثيرون ؛
الحاج نافع دكانه بالكاد تحشر فيها ناقتين، وفي الظروف الطبيعية حين لا يجلس عنده أحد، يجلس على كرسي خارج الدكان وفي هذا عدة فوائد :أولها ملء الدكان فيكون رصيف الشارع ملاذه.
ثانيها: إن لم يملأ هو رصيف الشارع فلربما سولت لمعدم نفسه أن يجلس على الرصيف يبيع بعض الحاجيات فيحجب الرؤية عن الدكان ويبيع ما قد يفكر أن يبيعه لاحقا.
وثالثهما : أنه على الرصيف سيكون راصد جيدا 
راصد لمدين متوار عنه ألجأه ظرف أن يبيعه بالآجل أو طمع بالربح الذي جعله على ما باعه ،ويرصد حركة السوق وأين يتوجه الناس فلربما وجد تجارة غير البقالة ينصرف إليها أناس أكثر.
والجلوس في الرصيف يجعله بوابة جيدة لدكانه فإن فكر ولد أن يأخذ شيئا ويهرب مد رجله ليمسكه الآخرون .
لكن إن جاء موظف حكومي يريد نافع سؤاله أو رجل يملك معلومة أو قدرة على تيسير أمر نافع في حاجة، استعار كرسيا من الحلاق الملاصقة دكانه وجعل كرسي الضيف أمام الحلاق .
البقال ينظر للبضاعة بمنظار ربحه منها 
ولأن أرباح مايشتريه الأطفال هو زهيد فهو يبيع 30 قطعة شكولاته ليربح قطعة شكولاته ،هذا جعله يرى ما يساوي قطعة شكولاته من مال مبلغا لا يفرط فيه .
انفعالات البقال تؤثر في عمله فالتراخي مع الأطفال قد تجعل الطفل يطمع في تقليب الحاجيات والعدول عن قراره فيعود من البيت ليبدل أو يرجع،وبسمته في وجه الكبار قد تشجعهم على المساومة في السعر أو حتى الطمع بالأخذ بالآجل أما استدانة المال فالتفكير فيها فقط دون الطلب جريمة مخلة بالشرف.
البقال يبيع ثلاثين قطعة ليربح قطعة فيهتم بكل قطعة ويشكك في كل من يعود إليه ليقول أن طعمها فاسد او أن صلاحيتها أنتهت أو أنه أخطأ في الحساب .
هذه عينة من أثر نوع العمل في شخصية العامل .
الطفل الذي ينظر إلى دكان البقال فيرى ما لذ وطاب يحسد أبناء البقال بل والبقال نفسه أنهم ينالون ما يشاءون وما علموا أن أبناء البقال يعتاشون على شيكولاته قرب موعد انتهاء صلاحيتها وحتى بيعها بنصف أو ربع ثمنها لم يعجل ببيعها كثيرا أو على علبة مكسورة من عصير أو بيض نضح منه صفاره أو شبيه هذا وذاك.
عندما يقرر اتباع مدرسة السجل تغيير تجارتهم فسيلاقون في رحلتهم في جمع الديون ما يشجع أن أحكي فيها يوما ولكن لا أظنه قريبا.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق