الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

كاونتر كلوك وايز

كان لي صديق يعمل سكرتيرا لجراح مشهور في مدينتي ، وكعادتنا  قررنا أن نجتمع أنا وهذا السكرتير وأصدقاء مقربون آخرون يوم الجمعة لنخرج في نزهة حيث نلعب الكرة ونشوي اللحم ونتمازح ونتبادل الحديث وكنا في ذاك الوقت نحرص على اصطحاب طبل معنا لندق ونغني ونرقص .
يوم الخميس خرجنا سوية لنستأجر طبلا فذهبنا إلى شارع حيث تباع وتستأجر الآلات الموسيقية وحيث يتردد المغنون والفرق الموسيقية -وإنك لتشم رائحة الشارع قبل أن تدخله فتستقبلك الدكاكين ، فهذا يجري تمارين لفرقة تعاقدت على إحياء حفل ، وذاك يفحص آلته ، ودكان يشد وترا وآخر تراه واضعا أذنه قريبا من من العود وهو يحرك الأوتار والمشدات وكأن العود يهمس بأذنه وغيره يعلم صبيا -ودخلنا السوق نبحث عن طبل ولأن الشعب لا يحسن إلا القرع على الطبل وجدنا كل الآلات إلا الطبل فقد أستأجرت كل الطبول فلسنا بدعا من الشباب 


وسألنا رجلا جالسا في دكان ينفخ في ما علمت لاحقا أن اسمه ترومبيت (وهو بوق كثير الالتواءات ) ويأبى البوق أن يخرج منه هواء فضلا عن صوت حتى خشينا من شدة الدفع أن نسمع أصواتا أخرى 
لم يخرج البوق من فمه فأجابنا برفع حاجبيه  فيما خداه منتفخان من النفخ .
كان ذلك - إن لم تخذلني الذاكرة - سنة 1996 ولقد نجانا الله من هذا اللهو والتسكع .
ومن فرط يأسنا راودتنا أفكار كأستئجار آلات أخرى حتى أنه أقترح على سبيل المزاح أن نستأجر كونتر باص وهي تلك التي تشبه الكمان لكنها بطول عازفها فيسندها إلى جسده وهو يعزف ولكن القصة أبت إلا أن تكتمل فوجدنا دكانا منعزلا لا يكاد يرى فسألناه لتنفرج أساريرنا عندما قال : عندي...........
ولكن معضلة أخرى تحول بيننا وبين حملنا محرك الأجساد  هذا وهي أن علينا أن ندفع ما يجبرنا على إرجاعه مما يسمى تأمينات 
وامتنع الجميع عن دفع (التأمينات) متعللين بعدم توفر هذا المال لأسباب سنعلمها لاحقا فطالبنا بابقاء بطاقة هوية عنده كضامن ولأن بطاقة الهوية في ذاك الوقت من ضروريات الخروج من البيت لا يمكن الاستغناء عنها خشينا أن تضيع هذه الفرصة فيختطف الطبل من يدفع تأمينات أخرج السكرتير بطاقة عيادة الطبيب وهي البطاقة التي يوزعها كل صاحب مشروع تجاري أوصناعي جديد على الناس كدعاية وإعلام عن المشروع وعنوانه وأرقام الهاتف
العجيب أن صاحب الطبل قبل بالبطاقة فيبدو أنه ظن أن من اعطاه البطاقة ابن أو أخ الدكتور فشعر بالزهو أن أصبحت زبائنه من علية القوم وغفل عن أن هذه البطاقة يمكن أن يحوزها أي شخص بل حتى هذا ال(أي) يمكن أن يعطيها لمن هو دون ال(أي)   وأخذنا الطبل وأنصرفنا مبتهجين .
الطبل أصبح بحوزتنا ولكن لا أحد قبل أن يسير به في الطريق فلازلنا نستحي فنحن أولا وآخرا طلاب كليات لكن السكرتير خضع للطلبات وحمله لكن بعد أن حول حذائه إلى نعل بثنيه وكفل بنطلونه وفتح الزر العلوي من قميصة ليتناسب شكله الجديد مع ما يحمله فلا يرى علامات استغراب في أوجه الناس وكنا نمشي بعيدا عنه تاركينه يمشي أمامنا لكي لا يفهم الناس أنه معنا .
خرجنا للنزهة وانتهت ولم يبق من متعلقاتها إلا الطبل 
إذا كنا ننأى بأنفسنا عن حمل طبل ونحن جماعة فكيف لأحدنا أن يحمل الطبل قاطعا مسافة لا تقل عن 3 كيلو متر وسط الزحام والأسواق والطبل مصمم لكي يحمل بطريقة واحدة وهو أن تضعه تحت إبطك ويا للفخر بما تحمله ويا لشعوبنا المبجلة لهذه الآلة فقد اقترن اسمها وشكلها  بالرزانة والسكينة والحصافة والوقار 
لهذا ما قبل أحد بدفع التأمينات وظل كل واحد يدعو الآخر للتبرع باسترجاعه .
مرت الأيام ولم يعد الطبل إلى صاحبه حتى جاء اليوم الذي رن فيه هاتف الدكتور وهو يقوم بعملية صغرى في العيادة فيرفعه الدكتور 
الدكتور : نعم
المتصل : هل هذه عيادة الدكتور بهجت (اخترت له اسم بهجت)
الدكتور : نعم تفضل 
المتصل : هل حضرتك الدكتور بهجت
الدكتور : نعم أنا
المتصل : العفو ....... فقط أريد أن أسأل عن الطبل
الدكتور : عفوا.......... ما ذا قلت 
المتصل : الطبل .... الطبل (اسم الطبل بلهجتنا مثير للضحك أكثر فتخيل)
الدكتور : أي طبل !! ؟ هذه عيادة دكتور 
المتصل : أعلم .... أعلم ،لكني أسأل عن الطبل الذي استأجرتموه ، مضى على ذلك خمسة أيام 
لك أن تتصور كيف سيستمر الحوار وبعد أن قص المتصل الحكاية فكر الطبيب قليلا فاستدعى السكرتير فأنكر فبطاقة العيادة .....كان قد طبع منها آلاف 
الطبل عاد ...........الذي أعاده السكرتير الذي كالعادة  لا يقاوم الاستعطافات
بعدها تركنا الطبل وانصرفنا إلى مجال تسلية آخر. بقينا مجموعة حتى فرقتنا الأيام 
أحدنا توفي بمرض وآخر غضب غضبة فغادر ولم يعد وثالث كان يبحث عن مجموعة يراها أفضل فوجدها والباقي انشغل كل بعمله وعائلته التي أسسها 
لم نعد نتواصل إلا برسالة جوال كل عيد أو عيدين وآخرون اختفوا .
تصور حادثة واحدة كان فيها هذا الكم من الذكريات فكم عسانا أن نتحسر على تبدل الحال 
هناك شوق لأيام ربما كنت تعاني فيها أكثر من أيامك الآن لكنك تتمنى أن تعيش لحظة فيها
لديك ذكريات مع الأصدقاء وذكريات في بيت العائلة وذكريات إيام الدراسة وأيامك الآن ستبعث فيك نفس الشعور في المستقبل وستغادر الدنيا وقد كثرت ذكرياتك وكبر حزنك

قصة ذات صلة : البئر شو

هناك 4 تعليقات :

  1. السلام عليكم
    صدقت اخي الكريم فنحن اخيرا سنودع الدنيا ومافيها ولكن هل فكرنا بلحظه نزع الروح وهل هيءنا انفسنا لرؤيه ملك الموت وهل اننا مسؤولون يوم غد ؟فاذا كان هو الاخره والموت والفناء فكيف سيكون لقاءنا غدا ولاحول ولاقوة الابلله

    ردحذف
  2. صاحب المدونة23 سبتمبر، 2012 1:28 م

    أشكرك أخي صاحب التعليق وآلامنا التي نشكو منها في هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تقارن بما ينتظر الشقي منا في الآخرة أسأل الله لي ولك ولسائر المسلمين القول الثابت في الآخرة ولا تفتر في تذكير الناس بالموت

    ردحذف
  3. قال من وضع رابط القصة أنها أكثر قصة مضحكة قرأها
    لكنهاأيضا حزينة.
    شكرا له ولك

    ردحذف
  4. صاحب المدونة6 أكتوبر، 2012 9:34 م

    من المفرح جدا أنها نالت الإعجاب منكم فشكرا على التعليق

    ردحذف